رحيل الغازي …في رثاء غازي

بعد مغالبة الليل الحزين الطويل، والداء المقيم الوبيل، ومغالبة الآلام التي أنطقته شعراً كما هي عادته، رحل عن عالمنا غازي القصيبي مودعاً جمهوراً من محبيه، رحل عنا رجلاً فريداً يحمل وجوهاً متعددة، تشترك كلها في التميز والإبداع، في غضون ساعات من وفاته تناثرت وتوزعت دعوات الرحمة، وقصاصات الأخبار بين الناس، وعلى صفحات وكالات الأنباء، حاملة زخماً من كل صفاته التي تحتاج كلاها عمراً وحدها، أحببت غازي القصيبي أول ما وقع بين يدي عمله الجميل «حياة في الإدارة»، لم أتوقف بعدها عن متابعته في شتى مجالات إبداعه، أحببت احتفاءه بالشعر، سواء ما تجود به قريحته، أو ما يلتقطه لنا من قراءاته ويترجمه، كما في مئة ورقة ياسمين ومئة ورقة ورد، أحببت إبراهيم ناجي والمتنبي لحبه لهما ولإحيائه واقتباسه منهما، أحببت إهداءه ومبادرته اللطيفة لكاتبة شابة ومبتدئة في مقدمة رواية «بنات الرياض»، أحببت مشاكسته وعبثه في «الجنية» وفي «شقة الحرية» وفي «العصفورية»، أحببت بساطته التي قدم فيها تأملاته الديبلوماسية كمسرحية عبثية على الغالب على رغم البريق المحاط حوله. في «حياة في الإدارة» أعطى القارئ لمحات نادرة شديدة الواقعية عن العمل الرسمي وآليات تسييره أحياناً عبر أعراف القبيلة كما مثلاً في تقليد قل تم، عشنا معه عقبات الوزير الحكومي وحدود نجاحاته الممكنة وضريبة نجاحه، خلاصة خبرة مميزة وفريدة في صفحات عدة تختزل أعواماً ثرية من الإدارة، على أن خبرة المسؤول التي حاول نقلها بتجرد وبإنصاف التي قيدته في مزاولته لمهام الدولة في مناصبه المتعددة لم تؤثر على ذائقته الأدبية وسرده الروائي المحلق في سماء الأدب، انطلق القصيبي في كتاباته الأدبية متحرراً بلا حدود، في عالم لا تقيده فيه بروتوكولات وأحكام الوظائف الرسمية العليا وضرورات التعامل في مناصب الدولة، الأدب في حياة غازي القصيبي مشاغب ومشاكس وصريح ومثير للتأمل في مفارقات عالمنا الخجل من الاعتراف والتصريح، تتكرر في كتاباته ملامح الحرية بإصرار، على رغم حياته العملية المغرقة في قيود العمل الرسمي، يطوف بين بحور الشعر وكلماته بحرية لا تقيدها حدود جغرافية أو لغوية، يحلم أبطاله الشباب في «شقة الحرية» بالخروج من قيد الأسرة وتذوق العالم للمرة الأولى بصخبه وعبثه ومسؤولياته الجديدة والمكتشفة في قاهرة الستينات، يجعل بطله ضاري باحثاً في سلوك الإنسان السعودي ليفسر لنا لماذا لم يحصل على العشق الحقيقي سوى مع جنية؟ المغزى دائماً البحث عن الحرية حتى من قيد العلاقات التقليدية ولو باللجوء للخرافة، مفتتحاً الرواية «أيتها الجنية هل أنت الحرية؟ أيتها الحرية هل أنت جنية؟»، تقدم الجنية للبطل العلاقة الأسمى والأمثل للتغلب على علاقاته الفاشلة مع نساء البشر في رمزية اللجوء والهرب من واقع مزرٍ إلى الخرافة في عالمنا العربي.

في «العصفورية» – الرواية الأهم في نظر نقاده – ينطلق لسان البروفيسور العاقل المجنون في حواره الساخر مع طبيبه ليضع كل شخص وكل فكرة تحت النقد، فيخترع معادلة تشبه معادلة «النسبية» لأينشتاين، ولكنه هنا يستبدل بها نسبية سرعة الوقت مع الحبيب أو بطئه مع العدو، وينتقد تشكيل اللجان «إذا أردت لموضوع أن يموت فشكل له لجنة»، إذ يقرر البروفيسور المجنون في حياته السابقة أن يشكل مئة لجنة كل يوم ليس لقتل المواضيع بل لقتل الموظفين، ولكن للأسف لم يمت منهم أحد؟

غازي الشاعر… رجل سبق عصره وربما كان افتتانه بالأدب فريداً في بداياته العملية في وسط يمتلئ بالوعظ الديني، إذ تسبب صدور ديوانه الأول «معركة بلا راية» في العام 1970 إلى تبادر وفود الوعاظ على ديوان الملك فيصل وقتها لمنع نشر الديوان، وتشكلت هنا اللجان الحقيقية بأمر الملك لفحص الديوان حتى السماح بنشره، ولم تنتهِ سجالاته مع المنتسبين للخطاب الديني حتى التسعينات، إذ أصدر كتابه «حتى لا تكون فتنة» بعد مساجلات بينه وبين أطراف عدة أشهرهم وقتها سلمان العودة وناصر العمر، مشاغبته الأدبية لم تميز أحياناً في الحدود بين غازي الأديب وغازي رجل الدولة، إذ قيل إن قصيدته «الشهداء»، التي مجد فيها انتحارية فلسطينية، كانت سبباً في نهاية عمله في السلك الديبلوماسي ببريطانيا، جلب الشعر أحياناً للوزير مشكلات أخرى، يحكي بنفسه إحداها فيقول: «إن مواطناً غاضباً اتصل بالسنترال في وزارة الكهرباء أثناء أزمة انقطاع الكهرباء وطلب أن يوصل الموظف رسالته للوزير: قل لوزيركم الشاعر لو ترك الشعر واهتم بعمله ما انقطعت الكهرباء عن الرياض»، رد الوزير الذي كان بالمصادفة على السنترال وقتها أنا الوزير شكراً وصلت الرسالة، لم يصدقه المتصل الذي طلب منه أن يحلف قبل أن يغلق السماعة بعد صمت.

ترك غازي رجل الدولة بصمات وقصصاً في كل وزارة ومنصب، كإنشائه للجان أصدقاء المرضى، ومنح العاملين في الصحة للمرة الأولى شهادات تقدير لعملهم، وأسس للتبرع بالدم، الوزارة الأكثر جدلاً في مسيرته كانت وزارة العمل، إذ لم يخفف تعاطفه لخرق التابوهات الاجتماعية المختلفة في شغل قطاع الخدمات والحرف بالسعوديين والسعوديات، ولا ظهوره الإعلامي مع شباب المهن من مستوى السخط العام من ارتفاع البطالة، كان بالفعل غازياً مقتحماً لكل تحدٍ واجهه حتى النهاية، رحم الله الغازي الأديب الذي سيبقى ماثلاً في أذهاننا وعلامة في تاريخنا تخلدها كلماته الحرة، ولا أرثيه هنا بشيء أفضل من كلماته هو… «لا تتبعيني دعيني واقرئي كتبي فبين أوراقها تلقاك أخباري، وإن مضيت فقولي: لم يكن بطلاً وكان يمزج أطواراً بأطوار، ويا بلاداً نذرت العمر زهرته لعزها دمت إني حان إبحاري، تركت بين رمال البيد أغنيتي وعند شاطئك المسحور أسماري، إن ساءلوك فقولي: لم أبع قلمي ولم أدنس بسوق الزيف أفكاري

في مقالة استطرادية للدور الذي لعبه غازي القصيبي في الساحة السعودية، أعيد القاريء لمقال سلطان العامر أن يكون الموت ولادة

Advertisements

دعم حقوق السعوديات

ما أسرعنا في رفضنا لكل نقد حتى وإن كان يلامس الحقيقة، التقرير الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة عن لجنة مكافحة التمييز ضد المرأة لم يغالط الواقع، عندما أكد هيمنة الرجل السعودي على المرأة، وطالب بتقديم تحكيم التشريعات الدولية بدلاً من المحلية لدعم حقوق النساء السعوديات، ففي النهاية لماذا قمنا بالتوقيع عليه إن كانت لنا تشريعاتنا الخاصة؟ التقرير تولى الرد عليه في وسائل الإعلام، وبسرعة صاروخية، مجموعة من المسؤولين «الرجال» في تأكيد مؤسف له! وبعيداً عن الردود التي أكدت ما ذهب إليه التقرير، بدلاً من أن تنفيه فكل النقاط التي ذكرها التقرير هي بالفعل موجودة لدينا ومخالفة للتوصيات الدولية، وكان الواجب على الأقل لمن تولوا مهمة الرد إعداد تبرير منطقي، أو الخروج بخطة عمل زمنية لمعالجة القصور في أوضاع المرأة السعودية، أما أن يتولى المسؤول الرجل الرد نيابة عن النساء، ويؤكد أن التقصير في منحها حقوقاً مدنية أو اجتماعية مرهون بتطور عقلية المجتمع أو بمذهبنا التشريعي، فهذا ينافي بالتأكيد المغزى من الاشتراك في منظمات دولية لتطوير المجتمع، واللعب على وتر العادات والتقاليد لم يعد يكفي كمبرر لاستمرار أوضاع تعاني منها النساء، والتي تنتهي إليهن في العادة مسؤولية الأسرة والأطفال، وإن كنا جادين حقاً في تحقيق مقاصد الشريعة من عدل وكرامة للمرأة كما للرجل، فلابد من الالتفات بصدق لمنابع الشكوى والقصور.
المواضيع التي انتقدها التقرير تتلخص في نظام الفرق في الميراث، وفرض وصاية الولي، ومنع القيادة، والفصل التام بين الجنسين، ومحدودية مجالات التعلم والعمل، وأخيراً الموضوع الأكثر إثارة وهو ممارسة تعدد الزوجات… ميراث المرأة تم تبريره للعالم بكون المرأة تنفق أقل من الرجل، والرجل مسؤول مادياً عن أسرته، بينما المرأة غير مسؤولة عن النفقة… ولكن الواقع أن الكثير من الرجال يتنصلون من النفقة من دون إعسار، معتمدين على دخل المرأة، والإصلاح المرجو هو تفعيل القوانين الملزمة لتطبيق النفقة وسرعة البت فيها في حال وجود شكوى من التنصل، ولن يكون ذلك معجزاً بالنظر لإمكان المسؤولين بربطها بالمصالح الأخرى للمواطن، وليست حقوق النساء بأقل من حقوق المرور، بأن يتم  إيقاف رخصة المرور لمن يماطل في دفع نفقة زوجته وأولاده لأكثر من شهرين، بينما لدينا قضايا نفقة منظورة في المحاكم لا تنتهي بحل يكرم المرأة أو أولادها.
أعيد القارئ لمقال الكاتب الإنسان عبده خال في صحيفة «عكاظ» حول أطفال الـ300 ريال، والتي وصف فيها ما تقره المحاكم للأمهات الحاضنات من نفقة ضئيلة لكل طفل لا تتجاوز ذلك المبلغ، بغض النظر عن وضع الأب المادي، في تناقض عجيب لمبلغ الـ1000 ريال الذي تدفعه الدولة لرعاية أي يتيم لدى الأسر الحاضنة، وهنا أتساءل: ما الذي سيحدث لو قررت النساء لدينا السلامة والتخلي عن حضانة أولادهن حماية لأنفسهن ولأولادهن من الحاجة المادية وعواقبها المؤلمة؟ فكيف ستصبح حال مجتمعاتنا وأبنائنا؟ وهل نستطيع أن نلوم تلك النساء على ضياع الأبناء بعد أن أغلقنا في وجوههن الأبواب والحلول؟
نستطيع الرد على التقرير بإبراز خططنا في دعم وتعديل القوانين، لتمكين النساء من المطالبة بالنفقة الكريمة، ولضمان قيام الأولياء بمسؤولياتهم بدلاً من التنظير بمثاليات لا نراها على أرض الواقع… والوصاية على المرأة التي وضعها الإسلام في «الزواج والسفر”، لضمان مساندتها في اختيار الزوج الذي ستقضي عمرها معه، ولحمايتها من مخاطر السفر المعروفة قديماً، اتسعت الآن لتشمل ضرورة الحصول على موافقة الولي على التعليم، وممارسة أي وظيفة، ولمراجعة الإدارات الحكومية أو المحاكم للمطالبة بحق غائب… ولا أدري حقيقة عن وجود قانون يقضي بضرورة مرافقة المحرم للمرأة المريضة في حال احتياجها لسيارة إسعاف، ولكنه وإن وجد كما أتى في التقرير، فهذا دليل على خلل في أخلاقيات المسعفين لدينا، وفي فشل المسؤولين عن توفير إسعاف مجهز بممرضات لتلك الحالات، بدلاً من مطالبة المريضة في حال طارئة بتوفير محرم، ولعملي في القطاع الصحي فأنا أعلم يقيناً بأن عدداً كبيراً من النساء والأطفال لا يستطيعون الاستمرار على خطة العلاج أو الأدوية اللازمة، نتيجة لعدم وجود من يوصلهن للمستشفى، وعدداً أكبر ينقطع عن التعليم والعمل للسبب نفسه.
أما قيادة المرأة فأخذت أكبر من حجمها نقاشاً وجدالاً عقيماً، وإن كان اللوم يُلقى على المجتمع، الذي لا يريد لبناته ونسائه قيادة السيارة، فماذا قدم المسؤولون لحل مشكلة التنقل لكل سيدة محتاجة؟ هل قمنا بتوفير البديل من مواصلات عامة كريمة، حتى يمكن تجهيز المرافق اللازمة لقيادة النساء بدلاً من إلقاء اللوم على التقاليد، والتي لم تمنع  الملك فيصل، رحمه الله، من افتتاح مدارس البنات، على رغم معارضة المجتمع والتقاليد لها في ذلك الوقت؟… وإذا سلمنا بأهلية المرأة السعودية وحقها كإنسان أولاً وكمواطنة ثانياً في التعلم والعمل والكسب والتنقل، فيصبح من باب التناقض والتعجيز الحكم عليها بالحياة في عالم منفصل لا يوجد فيه الرجال، ومع إقرارنا بأهمية فصل الجنسين في التعليم إلا أن المطالبة بالفصل في نواحي الحياة أو العمل غير مبرر، وكم من سيدة احتاجت لمراجعة مدارس الأبناء أو متابعتهم وعجزت أو تميزت في عمل يحتكره الرجل والأمثلة كثيرة.
الاختلاط بحد ذاته ليس هو المحرض على الخروج على الآداب العامة، ولكنه انعدام القوانين الرادعة التي تحافظ على حدود وحقوق الأفراد من التعدي، وقديماً عملت النساء في الأسواق، وخرجن للرعي وحضور الخطب، وصلين خلف الرجال، وحججن معهم، وناقشن قضاياهن وهمومهن بلا أولياء مع القضاة والحكام وأصحاب الرأي، فيما لم يوافقهن من أمور الحكم والسياسة وجهاً لوجه و لم ينكرعليهن داعٍ ذلك.
نحن نرسل للنساء رسالة مفادها أن ابتعادهن عن الرجال أهم من مشاركتهن في شتى القطاعات وأجهزة الدولة، وأن بقاءهن معتمدات على الولي والرجل في تقرير مصائرهن، شرط لحمايتهن من أذى المعتدين من الرجال، بدلاً من فتح المجال لمشاركة المرأة وتمكينها وتفعيل القوانين التي تحميها من التعدي والتجاوزات… ويصب في القالب نفسه موضوع تعدد الزوجات، والذي تركناه للرجل حقاً مفتوحاً بلا ضوابط قانونية تحمي حقوق كل زوجة من التعدي والاستغلال، فلو تمت صياغة بعض القوانين لضمان عدم استغلال الرجل لهذا الحق لعضل المرأة والتقصير عليها بما يحقق القاعدة الفقهية العادلة «لا ضرر ولا ضرار» لأمكن الرد بموضوعية على التقرير، بدلاً من التعلل بالرغبة الجنسية المتزايدة التي لا يليق سردها كسبب وحيد للتعدد، إن الدين ربط التعدد بالعدل، وجعل له ضوابط، محذراً من العواقب الاجتماعية، التي قليلاً ما يوضحها العلماء لدينا للرجال.
لقد لفت نظري ما ذكره الشيخ العبيكان، في الرد على التقرير، في تأكيده بأن 99 في المئة من النساء السعوديات يشعرن بالرضا عن أوضاعهن، وأوجه للشيخ دعوة لمراجعة حكمه، بعد النظر في أحوال النساء في المحاكم، ودور الرعاية الاجتماعية، وأدعوه إلى الحكم على صلاح الأنظمة الحالية وعدالتها، بمدى فعاليتها في تمكين الضعفاء من النساء والأطفال في الحصول على حقوقهن وحمايتهن من عضل الأوصياء والأولياء… ولا أنكر مجهودات الحكومة في ذلك، ولذلك أدعو اللجنة التي تتولى الرد على التقرير إلى إشراك بعض النساء السعوديات في صياغة الرد المناسب على التقرير والمشاركة في تفعيل الخطط  المناسبة لهن!

نورة الفايز . . . لماذا التمهل؟

هل تصبح نورة الفايز – أول سيدة سعودية تدخل في تشكيل وزاري لدينا – مفتاح الطريق لآلاف المبدعات والقياديات السعوديات، فلم يكن غريباً بداية أن تأتي الوزيرة من قطاع التعليم أو تنتهي إليه، فهو أقدم القطاعات التي منحت مجالاً للمرأة السعودية للتعلم والممارسة، وهو المجال الذي انتهت فيه المعركة في حق المرأة في التعلم والعمل لصالحها، بعد فصلها تماماً في المباني والمهام عن الرجل، ولا أدري كيف ستحل الوزيرة هذه المعضلة الآن في اجتماعات مجلس الوزراء الدورية، أما الذي يستدعي التوقف – بالنسبة لي على الأقل – فهي الأخبار المنشورة عن الوزيرة على خلفية تعيينها بالمنصب، فالتصريحات تسودها نبرة الحذر والتبرير بلا مسبب ظاهر، وربما كانت موجهة بالأخص إلى المتشددين دينياً، وهم الفئة الأكثر معارضة لوجود المرأة السعودية في المناصب العامة والقيادية، فلا يمكن تجاهل نبرة التطمين التي تسود تصريحات الوزيرة «المرحلة المقبلة تستدعي فهم الواقع والقيام بعمليات تحديث وتطوير دون المساس بالثوابت الدينية»، ما الذي دفع الوزيرة لهذا التأكيد؟ ولم الافتراض بأن التطوير قد يؤثر على الثوابت الدينية؟ فهل وجود وزيرة بدلاً من وزير قد يرسل مثل هذه الرسالة؟ دفاع الوزيرة عن حرصها على الدين ظهر أيضاً في رد لها حول نشر صورتها مع خبر تعيينها «رفضت نشر صورتي موقتاً كنوع من أنواع التمهل ليس أكثر . . . لكن لا يوجد أي موانع رسمية حكومية تحول دون ذلك»، وهنا يظهر بوضوح تأثير النمط الفكري الغالب لدينا كأحد العوائق المهمة لتقلد المرأة منصباً عاماً، فما أنواع التمهل أولاً؟ ثم ما أسباب الرفض إن لم يكن حذراً من مساءلة فئة متطرفة لا تعترف سوى بصلاحية نسخة وحيدة من النساء، وهن القابعات خلف أسوار مغلقة؟ ومن المفارقة بالفعل أن تظهر الوزيرة بغطاء شعر كامل في صورتها المنشورة، ومع ذلك ظهرت ردود الأفعال تطالبها بالحجاب، والمقصود هنا بالطبع هو الحجب والعزل وليس الاحتشام؟ أسجل هنا تعاطفي مع الوزيرة تحت الأضواء الملتهبة، فربما كنا في النهاية مجتمعاً يخلق لنفسه المصادمات والمشكلات بدلاً من حلها، ومن الملاحظ أيضاً ورود اسم الدكتورة هتون الفاسي في تعليقات إعلامية شتى على تقلد السيدة الفايز لهذا المنصب، وبعكس الوزيرة الفايز والتي لم يكن لها قبل ترشيحها للمنصب أي حضور إعلامي أو شعبي سابق على الساحة المدنية السعودية، فالدكتورة هتون تتمتع بشهرة لدى المشاهد السعودي ككاتبة ومؤرخة وأكاديمية، وهي سعيدة بتعيين الوزيرة ومتحفظة على إمكان حدوث تأثير كبير في التعامل مع المرأة السعودية كنتيجة لهذا التعيين «امرأة واحدة لا تكفي، ويد واحدة لن تصفق، ماذا ستفعل امرأة واحدة في حشد كبير من الرجال»، كما تؤكد «هذا التعيين لا يعتبر كافياً بأي شكل من الأشكال»، وهي هنا تطرح ربما دعوة لإعطاء المزيد من النساء مثل هذه المناصب، ولا يمكن هنا تجاهل البحث الإعلامي عن وجه سعودي نسائي نشط ليطرح رد فعله في تعيين الوزيرة . أتى تعيين الوزيرة السعودية أيضاً متزامناً مع مقابلات الوفد السعودي لحقوق الإنسان في جنيف، ومواجهتهم بعدد من الانتقادات بشأن وضع المرأة السعودية، والوزيرة تؤكد في تصريحاتها تلك العلاقة بين تعيينها وبين الانتقادات الموجهة للمملكة في ما يخص المرأة، فهي تصرح بأن تعيينها يمثل رسالة إلى العالم لا سيما إلى الغرب، غير أن الوزيرة – بعكسي – متفائلة، وتعتبر تعيينها «مفخرة للمرأة السعودية»، ولا أنفي هنا كفاءة الوزيرة، فهي بالتأكيد تملك تاريخاً من العمل في قطاع التعليم والإدارة يؤهلها لتقلد المنصب، ولكني هنا لا أرجح دور الكفاءة العلمية كمعيار للاختيار، وهو ما دعا كاتبة المدونة السعودية «درجة ماجستير» للتساؤل «نورة الفايز هل يمكن أن أكون يوماً مكانك؟»، فهي مثل السيدة الفايز حاصلة على ماجستير التعليم، وعملت متعاونة مع جامعة الملك سعود، ولكنها لم توظف بها، وهي تتساءل كيف يمكن أن تصل يوماً إلى منصب السيدة الوزيرة وهي العاطلة حالياً والباحثة عن عمل؟ في مجتمع لا يؤمن بالنساء كأفراد لهن كامل الأهلية كما الرجال، لا يمكن أن نفرح بأي انتصار صغير . ولكن يهمنا أن تجد أصواتنا ومطالباتنا صدى حقيقياً في عالم أفضل للنساء بلا تمييز، تستطيع فيه المرأة الراشدة أن تتنقل وأن تتعلم ما يناسب قدراتها وطموحها، وأن تعمل في ما يناسب كفاءتها وليس جنسها، وفي النهاية لا أنكر أن تعيين الوزيرة السعودية، ولو كانت نائبة وزير .

مدونة الأسرة بين المأمول والواقع

حتى اليوم لا نملك في المملكة العربية السعودية نظاماً قضائياً واضحاً ومتعارفاً عليه في أحكام الأسرة، ولا تزال مشاريع إرساء مدونة قضائية رسمية للأسرة محل بحث وزارة العدل بلا أي نتيجة حاسمة، ويترك حالياً نظام تعاملات الأسرة من الخطبة والزواج والطلاق والحضانة والنفقة إلى تقدير الأولياء والأزواج والقضاة في نظام مبهم يحتمل فيه كثيراً تهميش النساء لأسباب بديهة، ليست المرأة فقط غائبة عن تقرير المصير في محاكم لا تفسح لها فيها الأبواب ولا الصدور، ولكن غائبة أيضاً عن الأهلية التي تمنحها بعض القدرة على التحكم في مصيرها ومصير أولادها، القصص التي تنشرها الصحف من وقت لآخر تثير الكثير من علامات التعجب حول مسؤولية الأنظمة العدلية والقضائية في تنظيم التعاملات الأسرية، من المفهوم مثلاً أن يكون مجتمع القرية ببساطته ومحدودية أفراده معتمداً على العرف وشهادات العدول وتقدير كبراء القرية في حل التنازعات والتعديات، ومن المفهوم أيضاً أن يغيب تحديد الملابسات والظروف في القضاء وتفصيل الأحكام لمحدودية الحياة والظروف، ولكننا نعيش في دولة حديثة لا يصح أن تسير تعاملات الناس فيها كما سارت قبل قرن أو أكثر.

المستجدات في حياة الناس، وتعقيدات الحصول على المعلومات، وتغير الظروف، تتطلب اتخاذ منهج واضح ومفصل في قوانين الأسرة، من غير المفهوم أن تبقى سيدة في الـ «60» من عمرها، بغض النظر عن السبب، معلقة تطلب نجدة القضاء في إثبات الضرر الزوجي لما يزيد على «17» عاماً بلا أي حل فعال، ليس من المنطقي أن نتعلل بأن تفاصيل القضايا وملابساتها هما السبب في تعطيل العدل وتعليق النساء وتغييب حقوق الأطفال بلا أي سند، الفتاوى التي تسمح للأزواج بالطلاق بكلمات معدودة ومن دون العودة للزوجة، وهي الشريكة في عقد الزواج، هي من أغرب الأمور، فلا يشترط فقط علم الزوجة بالطلاق لتبدأ عدتها بل أيضاً لتقرير الحقوق التابعة لقرار الطلاق، فليس الطلاق حقاً حصرياً ممنوحاً للزوج بلا أي مسؤولية مترتبة عليه، والمشاهد حولنا هو الاستمرار في اعتبار المرأة قاصراً ومتلقية فقط لقرارات الزواج، بداية باشتراط الأولياء للراشدات حتى ولو لم تتحقق بها مصلحة المرأة، كما في قضية الطبيبة الأربعينية المقيمة في دار الإيواء لرفض والدها تزويجها ممن ترضاه، وفي قرارات الطلاق بعدها حتى لو أصبحت مسؤولية تأمين كل حق من حقوقها وحقوق الأطفال معها في قضايا منفصلة عليها وحدها، أو على ولي أمرها.

ليست الصورة في مصلحة المرأة وهي الطرف الأضعف هنا في تعاملات الزواج والطلاق والنفقة، فالمحاكم ذكورية مطلقة، والقضاء مزدحم ومتعدد بتعدد اجتهادات القضاة ومدى تعاطفهم، وآلية المراجعات المعقدة والبطيئة تقتل همة أقوى امرأة على الملاحقة والمتابعة في مماطلة تنفيذ الأحكام، لا يمنع ذلك من كون ما يصل إلى القضاء بالفعل من مشكلات أسرية هو النسبة الأقل من كل قضايا الطلاق، نظراً لكون الطلاق في الغالب يتم احتواؤه ودياً في الأسر السعودية، ردءاً للفضائح والمزيد من المعاناة خلف المحاكم بنهاية غير مرضية في العادة للمرأة والأطفال، ما يصل من قضايا الأسر إلى المحاكم هو المستحيلة الحل بالطرق الودية، وما يزيد من معاناة هذه الأسر أن يصبح القضاء جهة واحدة من جهات أخرى عدة سوف تضطر المرأة أو وليها بعدها للجوء إليها، فحتى لو صدرت الصكوك والقرارات النهائية في وقت مثالي لا يتعدى الشهر بلا أي معاناة مادية للأسرة إلا أن تنفيذ ما حكمت به المحكمة يترك أيضاً لتقدير الزوج، فلا يوجد ما يمنع مماطلته ولا تفاديه لتنفيذ أحكام النفقة أو الزيارة، وينحاز القضاة في العادة إلى الرجل المتعلل بالإعسار فيمنحونه الفرصة تلو الأخرى لإعادة النظر، وعلى المتضررة وقتها إعادة رفع الدعاوى القضائية الواحدة تلو الأخرى في أنظمة لا تنتهي تعقيداتها ولا مفاجآتها سوى بانتهاء سعة صبرها.

في العام 2004 تم إقرار مدونة الأسرة المغربية بعد جهد كبير من اللجان الخيرية العاملة في شؤون الأسرة وإنقاذ ضحايا الطلاق والتلاعب، المدونة التي حظيت بدعم خاص من الملك محمد السادس لم تترك تفصيلاً، سواء في شؤون الخطبة أو الزواج أو النفقة أو الطلاق أو فسخ الزواج، لم تتناوله بأحكام واضحة ميسرة يمكن لكل مواطن ومواطنة الإلمام بها، المدونة لم تحفظ حق المرأة على حساب الرجل، بل نظرت في مصلحة كل طرف، بما فيها الأبناء، ومنحت القضاء القوة على تنفيذ الأحكام بربط تعاملات الأسرة بأنظمة الشرطة والبلديات في التحري والتثبت من الدعاوى، كما وضعت مدداً زمنية محددة للبت والنظر في القضايا لحفظ كرامة المتنازعين والتقليل من آثار الحاجة على أفراد الأسرة المتضررين، وعلى الدولة كجهة معنية بالخدمات الاجتماعية، المدونة حددت السن القانونية للزوجين ووضعت مسؤولية الحياة الزوجية واستمرارها في يد الزوجين معاً وليس في يد طرف واحد لحماية استغلال حق الطلاق من الرجل ضد المرأة في النزاعات، فأصبح بموجبها كل راغب في الطلاق ملزماً بإثبات الطلاق فور وقوعه في جهة رسمية وليس بصورة شفهية قد لا يعلم بها أحد سوى بعد فترات طويلة، تمكن المدونة المرأة من إثبات حقها في الملكيات المشتركة أثناء فترة الزواج، حتى إن لم تمتلكها بشكل رسمي، كما يحدث في السعودية كثيراً من مشاركة الموظفات لأزواجهن في الأعباء المادية للأسرة وانفراده بعد الطلاق في الملكية المشتركة للأسرة.

السلطة التنفيذية أو الشرطة طرف أساسي في قضايا الأسرة وتتم مراجعات القضايا في محاكم مخصصة لها لضمان سرعة البت فيها، تضع المدونة أيضاً المستوى الاجتماعي للأطفال أثناء الزواج شرطاً لتقدير حاجاتهم وأوضاعهم بعد الطلاق، ولا يترك الأمر لاجتهاد القضاة في تقدير معاشاتهم بعد الطلاق.

لا نطمح هنا إلى اعتبار النساء مواطنات راشدات لهن أهلية كاملة لتقرير المصير، كما اعتبرتهن تلك المدونة الرائدة في عالمنا العربي براعيها الكريم، ولكن إلى فتح محاكم خاصة بالقضايا الأسرية والبدء في التخطيط في فترة زمنية معقولة لإصدار مدونة سعودية لأحكام الأسرة قابلة للمراجعة والتعديل بشكل دوري وبمشاركة عدد من نخبة سيدات الوطن في مجال السياسات الاجتماعية والمدنية، ولا أعتقد بأن الأسرة السعودية، وهي نواة هذا الوطن، أقل أهمية في جدول أعمال مجلس القضاء الأعلى بأعضائه الكرام من قرارات تعديل الولاية المكانية لقرى ومحافظات سعودية، أو قرارات الترقية والتعديل للقضاة، وكلي أمل بأن يضع المخلصون من قضاتنا مصلحة الأسرة السعودية وحمايتها من التشتت والحاجة كأولوية لهم لافتتاح دورة أعمالهم، خلال هذا الشهر الكريم.

نصف العمى أهون

أول ما تبادر إلى ذهني إثر صدور قرار وزير الداخلية بالسماح للنساء بالاطلاع على أوراق الهوية الرسمية لأوليائهن لتيسير استخدامهن لها في معاملاتهن الرسمية، هو المقولة الشهيرة لنيل أرمسترونغ أول رائد فضاء أميركي يضع قدمه على القمر: «هذه خطوة صغيرة للإنسان، وقفزة عظيمة للإنسانية… وأهمية القرار الذي سيتيح لآلاف النساء في بلادنا التخلص من «عضل» الولي، .
القرار يتيح للمعلقات والمطلقات والأرامل حق الحصول على هوياتهن الملحقة بهويات أزواجهن، أو أوليائهن للتسجيل في المؤسسات التعليمية، والالتحاق بالوظائف، واستخراج أوراق رسمية للأطفال، وتسجيلهم في المدارس… وبالنظر إلى بساطة وأهمية تلك الأمور التي كانت غير متاحة للعديد من النساء قبل صدور القرار يمكن تقدير حجم استغلال سلطات الولي ضد المرأة، والتي أهملتها القوانين المعمول بها لوقت طويل،

القارئ المتأمل في الهدي القرآني والنبوي الشريف يدرك أن الإسلام كرّم المرأة ومنحها حقوقاً أكثر مما تحلم به وأكثر مما تنادي به المنظمات الدولية الحالية المتطرفة مادياً… والقصة الشهيرة للمرأة التي راجعت النبي عليه الصلاة والسلام في أبيها الذي زوجها وهي كارهة، ثم بقيت مقولتها «إنما أردت أن تعلم النساء من خلفي أنه ليس للآباء من أمر بناتهن شيء» إهداء للنساء من بعدها وإثباتاً لرقابة المرأة الذاتية على حياتها في الإسلام، .
الرجل الذي كلفه الله بالرعاية والإنفاق وألزمه القيام على شؤون أطفاله حتى بعد الطلاق، لم تلزمه القوانين الوضعية بذلك بشكل قاطع بل أتاحت له الفرصة للتهرب لانعدام وسائل فعالة لتطبيق القوانين،
هذه السنة شهدت بعض الإضافات الطيبة في مصلحة النساء متمثلة في قرار وزير الداخلية الذي رفع بعضاً من المعاناة، وأعاد للمرأة حقاً من حقوقها، وهناك قرار قاضي المدينة الذي ألزم أحد البنوك بتحويل جزء من معاش رجل إجبارياً لأولاده بعد الطلاق، …
فاجأتني محدثتي التي تشغل منصبا ًمميزاً بأننا كمسلمين لا نحتاج إلى حركات تمكين المرأة، بل نحتاج إلى تفعيل دور الرجل الغائب في حماية حقوق المرأة، وهي ترى أن المرأة لن تحتاج إلى تمكين إذا ما قام وليها بإعطائها حقوقها كما شرعها الله، فالمسلمة لم تستثن من حق التعلم والتكسب والحصول على دخل مستقل، ولكن القوانين الوضعية هي التي أحوجتها إلى وكيل للتعامل في أمورها المالية، وإلى ولي لاستخراج هويتها والموافقة على تعليمها أو توظيفها، كما أن حاجتها للتكسب يجب ألا تكون ملحة إذا كان الولي ينفق عليها، ويوفر لأولادها الحياة الكريمة حتى في حال حدوث الطلاق، … .

الغريب أن أيدي النساء المقيدة تثير العجب من عدم قدرتهن على التصرف السليم في حال حاجتهن لذلك، فالكاتبة ليلى الأحدب تتوجه في أحد مقالاتها باللوم الشديد لإحدى الأمهات التي طالب طليقها بالطفل بعد بلوغه سن السنوات السبع، ثم تدهورت حال الطفل بعد انتقاله لمنزل والده، وزوجة أبيه حتى وفاته بعد فترة في إحدى المصحات النفسية، والكاتبة لا تتوجه باللوم للأب بل تتوجه به للأم، وتلومها على استسلامها للأب وتسليمه الطفل، وعدم دفاعها عنه ما أدى لوفاته وحيداً في المستشفى النفسي.
..زليس الأمر متروكاً لاجتهادها الشخصي، وقدراتها الخاصة فقط، فربما لم تستطع الأم الإنفاق على الطفل، أو ربما مانعت أسرتها في الاحتفاظ به، فالعديد من الأسر تسمح للمرأة بالعودة إليها حال الطلاق، ولا تسمح لها بمرافقة أطفالها لها، على اعتبار أنهم مسؤولون من الأب مهما عنى ذلك من احتمالات تفريط الأب وزوجته الجديدة في رعاية الأولاد.

القارئ للمقال المصاحب لقرار وزير الداخلية الذي استطلع تأثير القرار على عدد من السيدات المعلقات والمطلقات، لا يملك سوى التعجب مما يمكن أن يلجأ إليه بعض الرجال إذا ما منحوا سلطات على امرأة، والقرار الصادر على قيمته وأهميته هو أقل من المأمول، إذ كان الأمل أن يتم تعميم وتفعيل بطاقات الهوية الخاصة بالنساء لإجراء معاملاتهن الرسمية والمالية، وإتاحة الفرصة للمرأة لاستخدامها وتفويضها لرعاية الأطفال من دون الداعي إلى هويات الأولياء، ولكن يبقى قرار وزير الداخلية إضافة للنساء تستحق الاحتفاء، وكما يقال «نصف العمى أهون من العمى كله».

نساء جدة غير

في برنامج «بلا تحفظات» لمقدمه أنتوني بوردين، يرسل آلاف المشاهدين عبر العالم دعواتهم للمقدم، وهو كاتب ومسافر عالمي وإعلامي، للقدوم إلى حيث يعيشون، والتعريف ببلادهم وتراثها لبقية المشاهدين، ومن بين ألف وثلاثمائة متسابق يستقر اختيار أنتوني على أربعة متسابقين نهائيين، من بينهم دعوة مقدمة من دانية ابنة مدينة جدة السعودية، ويتساءل أنتوني في تقييمه النهائي للدعوات الأربع النهائية، هل يوجد بلد في العالم يجهل حقيقته الأميركيون ولا يتعاطفون معه أكثر من السعودية؟
يقف أنتوني موضحاً لجمهوره كيف أن اختيار السعودية بدا له الأكثر تحدياً في هذا الوقت بالذات، حيث هي موطن ثلاثة عشر شخصاً من الخمسة عشر المدانين في تفجيرات نيويورك في الحادي عشر من (أيلول) سبتمبر، تقبل أنتوني تحدي دانية برؤية السعوديين في واقعهم اليومي الحقيقي، حيث بدت جدة للوهلة الأولى في عيني أنتوني كمدينة فيجاس الأميركية، مدينة صحراوية لا تتوقف عن النمو… تستقبل دانية وزوجها أنس أنتوني وطاقم البرنامج في منزلهما، وتوضح له طبيعة الحياة الحديثة التي يعيشها معظم السعوديين اليوم في منازلهم، يمنح أنتوني دانية التصرف الكامل في إخراج البرنامج واختيار مشاهده، وهو غير مستغرب، بما أنها أول سيدة سعودية تحصل على تصريح لافتتاح مؤسسة للإنتاج الإعلامي في المملكة، تقدم دانية لضيفها ومشاهديه جولة متنوعة بالفعل في مدينة جدة، تفتتحها بإفطار تقليدي في أحد المطاعم الشعبية في البلد – الجزء القديم من جدة – وتقوم بشجاعة بمشاركة ضيفها في تناول إفطار من الكوارع والمحاشي، على رغم عدم تقبلها له، يلتقط أنتوني في السوق مظهر السيدات المتشحات بالسواد الذي يخفي ملامحهن من حوله، والتي لا يلحظ مثيلاً له في أي مكان آخر في العالم، ويسجل تناقض ذلك الواقع مع ما اعتاد عليه كابن لحضارة مختلفة تؤمن بحرية اللباس للجنسين، ولكنه يقرر، على رغم ذلك تقبله لمنطق حماية المرأة خلف تلك العادات، ويسجل أنتوني بالمقايل إعجابه بزي الرجل هنا، فهو فضفاض مريح بلون فاتح يمتص الحرارة اللاذعة في المنطقة، ويحظى بثوبه السعودي الخاص على يد خياط محلي. يرحل طاقم البرنامج بعدها لتخفيف الحرارة اللاذعة على متن قارب يشق بحر جدة، يقوم عبدالله بتعليم أنتوني كيفية الصيد باستخدام البندقية تحت الماء، وتغوص دانية وأنتوني لاكتشاف ثراء البحر الأحمر واصطياد السمك، لا يوقف جمال المناظر الطبيعية أنتوني عن ملاحظة تمسك دانية بزيها المحتشم حتى تحت الماء، ولا يخفي أيضاً تأثير البحر وجماله في هدم توقعاته الصحراوية الجافة عن المدينة، وبالطبع لا تكتمل زيارة البلد القديمة من دون زيارة بيت نصيف، يتقابل أنتوني مع المهندس سامي نوار «المكتبة الحية»، كما تسميه دانية، والذي يطلعهم على بعض المعلومات عن بيوت جدة القديمة وعن المدينة، ويقارن المهندس سامي جدة التي استقبلت الزوار على مدار مئات السنين كبوابة للحرمين بمدينة نيويورك الأميركية، مما يجعلنا نتساءل عن تلك المفارقة في ذهن المشاهد الأميركي، في أفضل غرفة في بيت نصيف القديم، ويحظى أنتوني بوليمة شهية من المندي المعد بالطريقة التقليدية، وتتوقف الوليمة حتى إتمام الصلاة، في مشهد مؤثر يعلق أنتوني على أهمية الصلاة التي يترك الجميع هنا كل ما يشغلهم لأدائها معاً في صفوف خاشعة خمس مرات في اليوم، ويؤكد أنتوني على جمال الصلاة وتأثيرها القوي عليه كمشاهد غربي، ويصل أنتوني في مشاهدته لطقوس الصلاة إلى الفهم الحقيقي لطبيعتنا، هنا يحكم الإيمان والدين ملامح الحياة، حول الوليمة الشهية التي حازت على إعجاب أنتوني، الذي يخرج بالمزيد من الملاحظات عن حس المرح لدى الناس واستعدادهم للدعابة والسخرية حتى من أنفسهم، يتعجب هنا وهو يلاحظ جو المرح الراقي السعيد للمجتمعين حول الطعام والمتناقض مع ما اعتقده سابقاً بسبب الإعلام عن السعوديين كشعب متعصب ومتجهم. تأخذ دانية أنتوني في المحطة القادمة لسوق الجمال، وتعرض له في نبذة سريعة أهمية الجمال للعرب، ومكانتها اليوم التي جعلتها تحظى بمسابقتها الخاصة المعروفة بمزايين الإبل، تختار دانية لضيفها جملاً صغيراً لوليمة حاشي تقليدية، وفي الوقت نفسه زارت مع ضيوفها في البرنامج أحد المجمعات التجارية الحديثة، حتى لا يعتقد المشاهدون بأن السعودية هي هذا العالم التقليدي القديم فقط، تتمكن دانية من التغلب على أنتوني في مباراة للألعاب الالكترونية المغلقة، وتعوض عليه خسارته بعشاء في مطعم البيك الشهير، يتوقف أنتوني أمام مدخل العائلات، ومدخل الأفراد ويتساءل: هل هناك افتراض مسبق لسوء النية حتى ينفصل الشباب عن العائلات؟ فسرت دانية ذلك بالتقاليد المحلية، وبأنها يوماً ما ستتطور مع الزمن! تصطحب دانية البرنامج إلى رحلة صيد ضب في البر، حيث الرياضة المفضلة للشباب، هنا هي القيادة الوعرة على التلال الرملية، ولا يتعجب أنتوني كثيراً بالنظر إلى أسعار الوقود هنا، تصل وليمة الحاشي أخيراً، ويتشارك في الوليمة الهائلة مجموعة من ضيوف دانية وأصدقائها الذين أصبحوا الآن أصدقاء أنتوني أيضاً، ولا يفوت على دانية أن تشير إلى أهمية المشاركة والعائلة في المجتمع السعودي، وهو بالضبط ما تختتم به دانية جولتها، عشاء أسري تسهم في إعداد أصنافه السعودية التقليدية سيدات العائلة والصديقات، على مائدة من الطعام السعودي والحجازي الخال. يصل أنتوني إلى نهاية رحلته، ويعلق قائلاً: «من كان يعتقد أن السعودية ستكون مكاناً ممتعاً، وأن مواطنيها المختلفين عنه في ثقافتهم واعتقاداتهم يمكن أن يكونوا أيضاً أصدقاء يستمتع بقضاء الوقت معهم»، يتأكد لأنتوني أن ليس كل ما يراه على الإعلام صحيحاً بالمجمل، فالواقع أكثر إنسانية وأكبر مما يصفه الإعلام، السعوديون كما اكتشفهم أنتوني هم أشخاص فخورون وودودون ومرحون ويسهل التعامل معهم، ويقول ليس من الضرورة أن أتفق مع من يختلف عني حتى أحبه وأحترمه… لا ينسى بالطبع أن يشكر مضيفته دانية التي استطاعت، على رغم قيود عدة على النساء في مجتمعها، أن تصل إليه في برنامجه وإلى آلاف المشاهدين لتقدم الصورة الإيجابية الحقيقية لبلادها، البرنامج الإعلامي، الذي قدم تاريخنا وقيمنا وبناتنا وأبناءنا بشكل غير مباشر، سيعمل بالتأكيد على نشر التأثير نفسه الذي عرفه أنتوني لآلاف الناس حول العالم. هل هناك من يشكك لدينا بأهمية النساء كصانعات للحضارة، وشريكات في التنمية، وواجهات إيجابية للوطن بعد ذلك؟

الاتصال بجمعية حقوق الإنسان

كثيراً ما تساءلت إن كان القصد من إنشاء جمعية حقوق الإنسان السعودية هو إيجاد قنوات رسمية لتلقي شكاوى الأفراد والجهات العامة والخاصة، أم هو إيجاد حل فعال لهذه المشكلات بالفعل؟ يأتي هذا التساؤل بعد استبيان عرضته الجمعية في موقعها الالكتروني للزوار عن مستوى أداء الجمعية بعد مرور ثلاث سنوات كاملة على إنشائها، وأخيراً عرفت أن السبب الأول هو الأقرب للصواب بعد تسلمي في بريدي الالكتروني لمشكلة آخذة في الانتشار ومستحيلة الحل بصورة منفردة من صاحب المشكلة.

الرسالة الحزينة أتت من مراهقة تعيش مع أسرة والدها المقعد، وقد تعرضت لإساءة جنسية من أحد أعمامها الذي يقوم الآن بنشر الإشاعات عن انحراف سلوكها بعد زواجه أخيراً حماية لشخصه من أي شكوى مستقبلية قد تتقدم بها الفتاة حين تتضح عواقب فعلته أو حين تدرك الفتاة هول ما حل بها مع تقدمها في السن!
ربما سمعنا كثيراً عن مثل تلك المشكلات… أطفال وشابات يتم استغلالهن بشتى الصور لجهلهن وبراءتهن نتيجة لضعف الأهل والوعي وللشعور بالأمن من العقوبة، وقد كانت أكثر الشكاوى التي تسلمتها الجمعية في منطقة مكة المكرمة – مثلاً – نتيجة مباشرة للعنف الأسري كما جاء في بيان أحد المسؤولين فيها، وكان المتوقع من وجود جمعية لحقوق الإنسان أن تكون هناك آليات سهلة الانتشار ومتاحة لكل شخص لاستقبال الشكاوى كالخط الساخن، أو البريد الإلكتروني، أو الإعلانات في الشوارع للتعريف بمهامها ووسائل الاتصال بها للوصول إليها أسوة بكل المجتمعات الحديثة، وهو أمر ضروري لحماية الأفراد من استمرار التعدي وعواقبه المؤلمة التي قد تؤدي في كثير من الأحيان بالضحية إلى الانحراف، ومع غياب الوعي العام لعموم الناس بكيفية التعامل السليم مع مثل تلك المشكلات وما الجهات المسؤولة للجوء إليها، فالمشكلات من هذا النوع تترك في العادة بلا حل جذري، ويصبح العضو الفاسد في المجتمع مصدراً مستمراً للأذى في حياة المعتدى عليها، وربما كل امرأة طالتها يداه بعد ذلك من محارمه أو غيرهن.

وليس من المنطقي أبداً أن تصبح وسائل عمل جمعية حقوق الإنسان السعودية – وهي مؤسسة من المؤسسات المعنية بحماية الضعفاء من أذى القادرين – هي وسائل العمل البيروقراطية نفسها التي تعمل بها مؤسسات العمل الحكومي العام، ولا تملك صلاحيات أوسع لتطبيق القانون والسعي في تصحيح خلل الأنظمة والمجتمع، أو أن تعمل بدوام رسمي محدد بساعات ما لتلقى الشكاوى وكأن المشكلات تحدث في وقت معين فقط، أو أن يعمل عليها عدد من الموظفين غير المتفرغين، فهذا كله لا يخدم أهداف الجمعية – وإن كانت أهلية – بأي حال من الأحوال، ومسألة عدم امتلاك الجمعية لأي سلطة تنفيذية أسوة بجمعيات مدنية أخرى، مثل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تملك صلاحيات أقوى وأفضل كثيراً للتوقيف والمساءلة وتتبع المواقف المثيرة للريبة أمر مقلق بالفعل.

فعلى رغم اتساع مجال عمل الجمعية بكثير عن مجال عمل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أن إعطاء الصلاحيات ذاتها، وليس أفضل منها لم يكن أمراً متاحاً لجمعية حقوق الإنسان، وكما أوضح رئيس الجمعية في لقاء إعلامي سابق فقد فشلت الجمعية في الحصول على رد من معظم الجهات الرسمية المعنية بالشكاوى، تلك الجهات التي خاطبتها الجمعية بصفة رسمية ولم يتم الاستجابة سوى لعدد قليل فقط من الشكاوى، ما يعني استمرار تلك المشكلات بلا حل أو عدم وجود حل ممكن لها من الأصل. وحيث أني لست بأي حال من الأحوال متصلة بالجمعية أو على علم بآليات عملهم فلم أستطع الإجابة عن الاستفتاء المعروض عن مستوى أداء الجمعية، إلا أنني قررت أن أعيد إرسال الرسالة الإلكترونية للفتاة صاحبة الشكوى لبريد الجمعية الإلكتروني، الموقع لا يعرض أي بريد إلكتروني للشكاوى، بل يقدم «كأي جهة حكومية» أرقاماً تليفونية للاتصال وفاكساً «لقسم السيدات»، فهل يعني ذلك أنه حتى في حقوق الإنسان والشكاوى يتم تمييز النساء بفاكس بدلاً من هاتف؟

وبعد بحث وتمحيص وجدت البريد الالكتروني معروضاً في رد على سؤال في الموقع باللغة الإنكليزية، وقمت بالفعل بإرسال الرسالة الإلكترونية لتعود إلي بعد دقائق بسبب الفشل في الوصول إلى العنوان، ما ينبئ بالفعل عن عدم فاعلية مستوى التعامل مع الشكاوى الواردة للجمعية، فإن كانت فتاة واحدة ضعيفة وغير قادرة على الوصول إلى الجمعية ببريد إلكتروني،فمن من الممكن أن يساعدها لنيل حقها المشروع؟ هذا عدا أن مواعيد «الدوام» المعروضة على الموقع لا تشمل العطلة الأسبوعية، فما الذي سيحدث لو تعرض شخص ما لمشكلة وأراد الاتصال بالجمعية خارج أوقات الدوام؟

من المفهوم بالطبع أن الجمعية ما زالت في بداياتها، ولكن أن تعمل وحدها كهيئة أهلية مستقلة بلا دعم حقيقي أو سلطات من أي نوع للمساءلة والتتبع أسوة بالهيئات المدنية الأخرى، أو ألا يضيف لنا وجودها شيئاً سوى تسجيل بعض الشكاوى والمشكلات الواردة لديها فهذا بالتأكيد ليس ما نأمله من مؤسسة للمجتمع المدني ترعاها الحكومة.

وأخيراً ولكي أقدم إجابة منطقية ما عن الاستبيان المعروض على موقع الجمعية فإنني أذكر القائمين عليها بأن «الحقيقة لا تظهر سوى بالمقارنة» كما يقول المثل الروسي، وبأن إجابة السؤال عن إنجازات وأداء الجمعية تصبح واضحة للغاية بمقارنة واقع وحجم الشكاوى التي تتلقاها بما قدمته من حلول مقارنة بالجمعيات المماثلة في بلاد أخرى، وربما كان من المفيد هنا أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون، فهذا في النهاية ما نبرر به فائدة بداياتنا المتأخرة في كل شيء «أن نبدأ متأخراً أفضل من ألا نبدأ أبدا»…

وكل عام وجمعية حقوق الإنسان السعودية بكل خير.