ما الذي يجعل أي أمر حقا إنسانيا؟

السؤال حول الحقوق الأساسية الإنسانية شائك و متعدد المباحث، تتعدد إجاباته بتعدد مفاهيم البشر و تقديرهم للقيم و المصالح و الاحتياجات، لذلك لا يوجد جواب “صحيح” او “خطأ” حول ما الذي يجعل أي أمر حقا إنسانيا؟، لكن تُوفر المباحث القانونية و السياسية و التاريخية و الفلسفية أرضا  ملائمة لاستكشاف الإجابة…

تطمح الفلسفة لتبرير المغزى الأخلاقي من جعل أي أمر حقا إنسانيا، فمجرد الحديث عن ماهية الأخلاق  و القيم و بالتالي الحقوق يفتح جبهة كبيرة لتداخل المعاني و تقاطع المصالح و الواجبات، و حتى اللحظة لا يزال الفلاسفة يحاولون إعادة النظر في مغزى الحقوق بحسب مستجدات العصر، المادة الثالثة مثلا من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على حق كل إنسان في الحياة و الحرية و الأمن، تتعارض هذه المادّة مثلا مع الحق في إنهاء الحياة أو القتل الرحيم –بواسطة الشخص نفسه أو من ينوب عنه-، و يواجه العاملون في الطب و القانون و السياسة و حتى الفلسفة معضلات و جدليات كبرى في مواجهة هذا الحق و تبريره بحسب كل حالة…

السؤال ظرفي أيضا و خاضع لمفهوم متغيّر حول القيم و الأخلاق و السلطة و ما يتبعها، ما كان حقا أصيلا لفئات محدودة قبل عصور لم يعد كذلك اليوم كحق امتلاك العبيد، و مايراه إنسان ما في هذا العصر في ممارسات زواج الصغيرات كجريمة بحق إنسان قاصر يراه آخرون و ربما مجتمعات بأكملها سنّة محمودة و مطلبا للعفة و الرزق،  أيضا ما يراه الإنسان حقا أصيلا لجماعته و أبناء وطنه ربما يستنكره تماما عند من يختلف معهم كحق الدعوة العلنية إلى دين ما مثلا، الحقوق مرتبطة بتعريفات نسبية لمفاهيم الممارسات الإنسانية و هي تختلف بحسب المجتمعات و الثقافات و الأديان…

أما أفضل ما يمكن فعله لخلق تطبيق “متّفق عليه” لمعنى الحقوق الإنسانية هو البحث عن أرضية مشتركة بين المختلفين في مفاهيمهم و عقائدهم و رؤيتهم للعالم، والتطبيق هنا لا يضمن أفضل المعايير كما يراها كل إنسان و لكن يوفّر (أدنى) الممكن، و بما أن الحكومات أو السلطة السياسية هي التي تحتكر كافّة أشكال القوّة في أي مجتمع و تملك السلطات قانونا لمراقبة الحقوق و معاييرها و ضبطها فكان من البديهي أن تتولّى السياسة تصميم معايير الحقوق، و على ذلك فليس مستغربا ان صدور معايير حقوق الإنسان تاريخيا كان منبثقا على الأغلب من تنظيمات سياسية (حمورابي، الماجنا كارتا، وثيقة الحقوق الإنجليزية، و العديد غيرها)… و في هذا التوجّه نفسه نشأت فكرة عمل معيار عالمي للحقوق تلتزم به الحكومات في العالم، كانت بدايات الموضوع في العام 1920 و تبلورت الفكرة في العام 1946 بعد ما شهده العالم من فظائع بسبب الحرب العالمية الثانية بتشكيل لجنة مخصصة من الأمم المتحدة تضم ممثلين عن ثمانية دول روعي فيها التوزيع الجغرافي، اختارت اللجنة المسؤولة عن وضع الوثيقة الأولى لحقوق الإنسان عدم العمل على وثيقة سابقة كانت قد أعدّتها منظمة اليونسكو بغرض وضع أرضية فلسفية لمعايير الحقوق،  لويس هنكين كان أحد المؤسّسين لوثيقة حقوق الإنسان العالمية، و في عام 1990 كتب عن البعد الفلسفي للإعلان قائلا:

“فكرة الحقوق الموضوعة هنا (في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) نشأت استجابة لأدوات دولية حديثة بغرض تعيين القيم الأخلاقية المشتركة و المباديء السياسية المتفق عليها بين البشر، لم يتم صياغة هذه المفاهيم و المباديء بشكل استبدادي، و لم توضع المعايير العامة في نصوص حقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية بواسطة الفلاسفة و لكن بواسطة شخصيات من السياسيين و المواطنين، و لا يزال الفلاسفة حتى الآن يبحثون التبريرات لكل حق من الحقوق، نص الإعلان الدولي لحقوق الإنسان لا يفترض و لا يعكس أي أساس فلسفي، ولا يعكس تفضيلا لأي مبدأ أخلاقي أو نظرية شاملة بما يتعلق بالفرد أو المجتمع،  تعبير “الحقوق الإنسانية الأساسية” مبني على الإيمان بها، في السعي لوضع نصوص ترضي أنظمة سياسية متنوعة و تحكم مجتمعات بشرية متنوعة أيضا تمّ بناء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أساس الإيمان بأهمية هذه الحقوق بينما تمّت تنحية المبحث الفلسفي في معاني الحقوق أثناء العمل عليه”…

يعني حديثه أن الخروج بنص للحقوق تتعارف عليه البشرية على اختلاف الثقافة و المفاهيم للأعراف و الأدوار الاجتماعية اقتضى أن يتم الاتفاق على أهمّ المشتركات بين الأغلبية على ما “يؤمنوا” بأهمية حمايته من حقوق إنسانية… و يتضح ذلك المعنى أكثر من التمهيد الموضوع في نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، و على الأخص في فقرته التالية:

“إن الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو “أساس” الحرية والعدل والسلام في العالم، إن تناسي حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة، من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم، شعوب الأمم المتحدة قد أكدت في الميثاق من جديد “إيمانها” بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء من حقوق متساوية وحزمت أمرها على أن تدفع بالرقي الاجتماعي قدماً وأن ترفع مستوى الحياة في جو أفسح من الحرية”…

و بالتالي فإن نصوص الإعلان للحقوق “الأساسية” هي ما آمن به مجموعة من البشر على أنه “ما يتيح للإنسان الحرية من الفزع أو الاستبداد”، لكن هل يعني أن يكون الحق “أساسيا” أنه ضروري لحياة البشر؟ واضعي الإعلان اعتبروا أن الحق “الأساسي” هو ما يلزم الإنسان لتمكينه من تحقيق الكرامة و التحرر من الخوف و بالتالي تمكينه من حق تقرير المصير وهو الغاية الأهمّ، هذه المعايير “أساسية” في الإعلان العالمي لأنها اللبنة الأولى للحقوق و التي بنت عليها فيما بعد لجان أخرى في الأمم المتحدة مفاهيم اكثر تقدما للحقوق الإنسانية تفوق في عددها 80 معيارا كالعهد الاقتصادي و الاجتماعي و الحقوق المدنية و السياسية وحقوق الطفل و غيرها، عدا عن الدساتير التي اقتبست من الإعلان نصوصا و قواعد عامّة، اعتبار نصوص الإعلان أن الحقوق “أساسية” يعني أن المزيد من الحقوق مطلوب للوصول بالإنسان لتحقيق كل قدراته و إمكاناته، القيم الدافعة لتشكيل نصوص و فقرات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هي: العالمية، و الترابط، و عدم تجزئة الحقوق، والمساواة و عدم التمييز بين البشر، و ربط امتلاك أي شخص للحقوق بتأديته لواجباته تجاه غيره، و بالتالي تنشأ مخالفات تطبيق الحقوق نتيجة لعدم تبني هذه القيم، فعلى سبيل المثال تمثّل آليّات تطبيق هذه المفاهيم و التزام الدول محل خلاف و جدل كبير، بعض الدول تلتزم بتوفير التعليم الأساسي مثلا و لكن تقيّد مفاهيم النقد الحر ووسائل البحث المستقل عن المعرفة – كتقنين حرية الحصول على المعلومات- و تحتكر الصواب لأيديولوجيا بعينها لخدمة توجّه سياسي ما، التعليم إن تمّ إفراغه من قيمة الحرية في الحصول على المعلومات أو منحه كامتياز لفئات دون غيرها أو حصر مجالاته على جنس أو طبقة لا يحقق القيمة المفترض به تحقيقها: خلق شخص قادر على الوصول للمعرفة التي تمكنه من تقرير المصير، الحقوق تتحقق أيضا “بشموليّتها”و لا يكتمل أثرها إلا بتطبيقها بالتوازي، فلا تصلح حماية للحياة الإنسانية بلا رعاية صحية ولا أمن قانوني ولا تعليم أساسي يلبّي حاجة الإنسان للوجود الآمن و التفكير و الإرادة المستقلّة…

تثار أيضا حول الإعلان العالمي مسائل حول كيفية صياغته و مدى العدالة في تقرير الحقوق الإنسانية عندما يضعها للملايين مجموعة سياسية محدودة و غير ممثلة لغالبية البشر، في العالم الإسلامي خصوصا تثار مسألة عدم مشاركة الدول الإسلامية في صياغة الإعلان وهو ما يجانب الصواب بالنظر لطبيعة إسهام الدول المسلمة و ممثّليها في الإعلان منذ البداية، نصوص الإعلان روعي في وضعها مبدأ “العالمية”، أو إمكانية تبنيها على أوسع نطاق بالرغم من اختلاف الثقافات و المفاهيم، يعني ذلك أن اشتراك البشر في سفينة واحدة يفرض على الجميع الالتزام بمعايير محددة تضمن سلامة و أمن الجميع عليها حتى ولو لم يتفق بعض أفراد السفينة على هذه المعايير لضروريتها لتحقيق مباديء الأمن و ضمان التعايش المشترك…

شخصيا أجد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أكثر من مجرد وثيقة قانونية و سياسية ملزمة للدول الأعضاء ، أرى فيها اعترافا بقيمة الإنسان –بلا تمييز- يمنحه تحررا من أحد قيوده العديدة، قيد السلطة السياسية…

“(التحرّر من الخوف) هو ما يمكن قوله لتلخيص فلسفة حقوق الإنسان”… داغ همرشولد

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 108 other followers